|
دير مار قبريانوس ويوستينا – كفيفان
الدّير لفظة عربيّة تقابلها في السريانيّة لفظة (دَيْرُا)، وترادفها في اللاتينية لفظة Monasterium. وهو مقرّ تعيش فيه جماعة رهبانيّة تؤدّي الصلاة الخورسيّة وتمارس الحياة المشتركة. ويتميّز الدير بهندسة تقليديّة مربّعة الشكل، فيه يحتلّ الحصن مكانًا خاصًّا وتُصان السكينة.
 |
تعود تسمية دير كفيفان إلى قرية كفيفان المبنيّ في خراجها. ويُرجّح أن لفظة كفيفان من أصل سريانيّ مشتقّة ربّما من كلمة (كفِيفُا) التي تعني المُحدَودِب أو المنحني. وقد تعني أيضًا مكانًا صغيرًا مقبَّبًا مقوّسًا، في إشارةٍ إلى وجود القرية فوق أرضٍ مُحَدَّبة بين واديَين. |
موقع الدير وتاريخه
يقع دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان (البترون – لبنان الشمالي) على هضبةٍ تعلو 450م عن سطح البحر، وتحيط بها قرى : كفيفان، جران، دريا، عبدللّي، سمار جبيل. يعود تاريخه إلى ما قبل القرن السابع المسيحيّ، إذ نجد له وصفًا مؤرّخًا في سنة 717 كما يلي: "بناء صخريّ عقد يبلغ طول عشرين "ذراعًا هاشميًّا"، وعرضه خمسة "أذرع هاشميّة"، مقسَّم الى أربع غرف..."
| تحوّل إلى كرسيّ بطريركيّ سنة 1230، في أيام البطريرك دانيال الشاماتيّ. تسلّمته الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة سنة 1766 خِربَةً من الأمير يوسف شهاب. فعادتْ ورمّمتْ وبنتْ واقتنتْ وتملّكتْ لهذا الدير كثيرًا من الأرزاق بسواعد رهبانها وكدِّهم وعزمهم بهم الوفير. وتعضمَّ الدير مدرسة رهبانية عالية لتدريس الفلسفة واللاهوت والآداب والحقوق، من سنة 1808 إلى سنة 1874. واستؤنفت الدراسة فيه من جديد سنة 1892. ثمّ تحوّل في فترات متفاوتة إلى "دير للابتداء" ما بين 1899 و1939، 1944 و1950، 1977 ولا يزال. |
 |
دير القداسة
إمتلأَ دير مار قبريانوس ويوستينا – كفيفان بعبيرِ القداسةِ وعطرِ البخورِ وشذا الميرون المقدّس وذاعتْ أخباره السعيدة وبشراه السارّة في أنحاء العالم كلّه، حتّى أصبح نقطة التقاء بين السماء والأرض، وتجلّت فيه قداسة الله من خلال القدّيس نعمة الله والمكرّم الأخ إسطفان نعمه وصلوات الرّهبان القدّيسين. ولا ننسى أنّ القدّيس شربل تتلمذ، في هذا الدير، على يد القدّيس نعمة الله مدّة خمس سنوات. هذا ما جعله مقصداً للمؤمنين يتوافدون إليه من كلّ صوبٍ وحدب، يأتون للصلاة والتضرّع ونيل البركة، وطلب شفاعة القدّيسين والشفاء الروحيّ والجسديّ. يهتفون ويسبّحون ويرنّمون ويمجّدون الله بصوتٍ واحد ونسمةٍ واحدة "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر". إنتشرتْ قداسة الأب نعمة الله الحرديني والطوباوي الأخ اسطفان نعمه في أرجاء لبنان والعالم، فكانا المثال والقدوةَ في الزهد والصلاة والصوم والصمت والسكون والتأمّل والعمل بإرادة الله ومشيئته والعيش بحسب كلمته القدّوسة، لكلّ مَن تَعرّف إليهما أو سَمِعَ بهما أو قَصَدَ ضريحَيهما.
 |
يُحيط بدير كفيفان كنيسة من الشرق قديمة العهد على اسم سيّدة الزروع وكنيسة من الغرب على اسم سيّدة الكرمة المعروفة بسيّدة رامات، مِمّا كرّس أيضًا دير كفيفان مزارًا مريميًّا بامتياز. فكنائس الطوباويّة البتول مريم تحيط به من كلّ جهة، وآخرها كنيسة وتمثال للعذراء على اسم "مريم أمّ المبتدئين"، وكابيلاّ التجليّ. فالقدّيس نعمة الله والمكرّم الأخ إسطفان نعمه تشرّبا قداستهما من روحانيّة العذراء مريم وسارا على خطاها،على درب ابنها يسوع المسيح، وما كانت سُبحتها تُفارق يومًا أيديهما، وكان اسمها المبارك دومًا على شفاههما. |
دير الابتداء
يحتارُ المتأمّل في تاريخ وحاضر دير مار قبريانوس ويوستينا – كفيفان في إيجاد صفةٍ تليقُ بعظمته وعراقته الرهبانيّة والروحيّة. فهو يحتلّ مكانةً فريدةً في قلوب الرهبان لاسيّما أولئك الذين خطَوا خطواتهم الرهبانيّة الأولى في أرجائه وتعلّموا مبادئ الصلاة وعمقَها في حنايا كنيسته، والعناية بالأرض وخيراتها في جنائنه وكرومه.
اختارت الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة دير كفيفان ديرًا للابتداء، ووضعت ثقتها فيه لإعطاء التنشئة اللازمة والضروريّة لطالبي الترهّب وأصحاب الدعوات الصادقة، نظرًا إلىكونه حقلاً خصبًا لكلمة الله ومدرسة قداسة. ففي كلّ زاوية من رحاب الدير يقع نظرك على طيف القدّيس نعمة الله والمكرّم الأخ إسطفان نعمه، حيث يسود جوّ الصلاة والتأمّل والصمت والسكون. فالابتداء بحسب قانون الرّهبانيّة: "عبارة عن مرحلة اختبارٍ رهبانيٍّ، فيها يمتحن المبتدئ نفسه وتختبِره الرهبانيّة، وفيها يتدرّب على الإصغاء إلى كلام الله، ويتمرّسُ على عيش الحياةِ الرهبانيّة والسير بموجب قوانينها، ويتعرّف إلى متطلّباتها وقِيَمها، في جوٍّ جدّيٍّ من التأَمّل والصلاة والعمل."
| كما أنّ امتداد الأراضي الزراعيّة وأحراش السنديان وأشجار الزيتون والصنوبر وكروم العنب التي تُحيط بالدير، تخلقُ جوًّا مناسبًا للابتداء وتفتح آفاقًا جديدة للمبتدئ، يتطلّع من خلالها إلى اكتشاف دعوته، فيتيقّن أكثر فأكثر معنى الحياة الرّهبانيّة والوجود وأهمّيّة تسلّق سُلّم الكمال والسباق الى السماء. |
 |
حياة الشهيدين قبريانوس ويوستينا
وُلدَ قبريانوس في مدينة أنطاكيةَ من أسرةٍ وثنيَّةٍ وجيهةٍ شريفة. وتخصَّصَ، منذ الصِّغر، لعبادةِ الأصنامِ وفنِّ السّحر. واستمرَّ على هذه الحال نحو ثلاثين سنة. وبما أنّه كان شفوقًا على الفقراءِ، شفق الله عليه، فانتشلَه من لُجَّة الكُفر.
كان الشّاب أغلاوس الوثنيّ قد أُغرِمَ بفتاةٍ تُدعى يوستينا. أراد أن يتزوّجَها، فأبت وأجابت أنّها مخطوبة ليسوع المسيح. فلجأ الشابُّ إلى قبريانوس الساحر، بلوغًا إلى مُراده. فأخذ هذا يستعملُ كلّ وسائل السّحر، لكنّه باءَ بالفشل. وأقرَّ الشياطينُ بعجزهم.
 |
عندئذٍ قال قبريانوس : "إنّي لجاهلٌ، فإن كانت ابنةٌ مسيحيّةٌ ضعيفةٌ تنتصرُ على الأبالسة بمجرّد الصلاة وعلامةِ الصليب، فماذا تكونُ إذن، قدرةُ إله المسيحيّين؟" ولساعتِهِ عزمَ على التعبُّدِ لهذا الإله الذي تعبُدُهُ يوستينا. وطلبَ من أفتيموس أسقف أنطاكية أن يُؤهِّبه لقبول سرِّ العمادِ المقدّس. فاعتمد، بعد أن أخذ بتعاليمِ الإنجيلِ السامية، وتابَ توبةً صادقة. أمر الملكُ ديوكلتيانوس، عندما جاءَ إلى نيقوميدية، بتعذيبهما وضربهما بالسياطِ بقساوةٍ وحشيّة.
|
فصانهما الله من كلّ أذىً. فأمرَ بقطعِ رأسَيهِمَا فتكلَّلا بالشهادة نحو سنة 304. ونُقِلت ذخائِرُهُمَا إلى روما ودُفِنت في كنيسة القدّيس يوحنّا لاتران. تحتفل الكنيسة بعيدهما في 2 تشرين الأوّل.
|